أحمد بن علي القلقشندي
153
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
في أثرهم ، وأتيني بخبرهم ؛ فمعنت في طلبهم ، وعادت بهم ، فقالت : ما زلت أخندف في اتّباعهم ، حتى ظفرت بلقائهم ، فقال لها اليأس : أنت خندف . والخندفة في الاتّباع ، تقارب الخطو في إسراع ؛ وقال عمرو : يا أبتي أنا أدركت الصّيد فلويته ، فقال له : أنت مدركة إذ حويته . وقال عامر أنا طبحته وشويته . فقال له : أنت طابخة إذ شويته . فقال عمير : أنا انقمعت في الخباء ، فقال له : أنت قمعة للاختباء ؛ فلصقت بها وبهم هذه الألقاب ، وجرت بها إليهم الأنساب . فقال حينئذ : هذا علم استفدته ، وفضل استزدته ؛ وقد قال الحكيم : مذاكرة ذوي الألباب ؛ نماء في الآداب ؛ فقلت له متمثّلا . أقول له والرّمح يأطر متنه تأمّل خفافا : إنّني أنا ذلكا ! ثم لم يحتبس إلا قليلا ، ولم يمسك طويلا ، حتى عاد إلى هديره ، وأخذ في تهذيره ، طمعا بأن يأخذ بالثّار ، ويعود الفيض له في القمار ، فعدل عن العلوم النّسبيّة ، وجال في ميدان العربيّة ، ولم يحسّ أن باعه فيها أقصر ، وطرفه دون حقائقها أحسر ، فقال : حضرت يوما حلبة من حلبات العلوم ، وموسما من مواسم المنثور والمنظوم ، وقد غصّ بكلّ خطيب مصقع ، وحكم مقنّع ، وعالم مصدع ، وملئ من كلّ عتيق صهّال ، وفتيق صوّال ، ومنطيق جوّال ؛ فأخذوا في فنون المعارضات ، وصنوف المناقضات ، وسلكوا في معاني القريض ، كلّ طويل عريض ، حتّى أخذ السّائل منهم بالمخنّق ، ببيت [ الفرزدق ] ( 1 ) . وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلَّا مسحتا أو مجلَّف ( 2 ) ! فكثر فيه الجدال ، وطال المقال ؛ وما منهم إلا من أجاد القياس ،
--> ( 1 ) الزيادة من لسان العرب . ( 2 ) المسحت : المهلك . والمجلَّف : الذي بقيت منه بقية . قال في لسان العرب : يريد إلا مسحتا أو هو مجلَّف .